عين الشمس تلهب جو المعسكر؛ والإعياء يجتاح كل خلية في نفسي وأعصابي وجسدي؛ كأني استحلت من جديد مضغة واحدة؛ لا حدود بينها.
أبصر حراس في حالة هياج؛ لا يكفون عن توجيه السباب والضرب واللعئات للأسرى.
يقبل ضابط صهيوني؛ برتبة مقدم؛ له نظرة هادئة؛ وملامح إبليسية محنطة؛ وعينين رماديتين؛ خزفيتين؛ باردتين.
أستعيذ بالله من شياطين وأبالسة الأرض والسماء؛ وأتحسس جيبي؛ باحثاً عن حجاب الشيخ أبو العزائم؛ فأنتبه؛ وأتذكر مصيره البائس تحت قدم الضابط الصهيوني الكريه؛ صاحب الشعر الخنفسي العصري؛ الذي أوقعني بالأسر.
يتمشى المقدم الإسرائيلي من أول الساحة إلى أخرها؛ بين صفين من جنود الحراسة الواقفين وقفة استعداد عسكرية.
يركبني الفضول. أتمعن في المقدم من مكاني الخلفي؛ وبزاوية عيني؛ أراه شاب في العقد الثالث من عمره؛ مشيته فيها الكثير من التوتر؛ وكذلك كلامه. يتكلم؛ وكأنه يحادث نفسه ببرطمة غير مفهومة؛ له ابتسامة غامضة؛ مربدة؛ ونظرة العينين الموزعة بين الشرود؛ وازدراء متغطرس؛ يقصدك بالوعيد.
يلمحني المقدم؛ وأنا أرفع رأسي قليلاً؛ وأنظر نحوه. فلا يهتم؛ ولكن يصيح بلهجة شامية شديدة الإحتقان: كلاب. مجرمين. سفلة. حيوانات. صراصير. خنازير؛ دعوا ناصر ينفعكم؛ أنتم لا تعرفونني مليح؛ والله لأذبحنكم ذبح الخراف.
إستهلال مرعب.
يقوم المقدم بصفع أول أسير؛ ثم يصفع الخامس؛ وأمام الثامن؛ يتراجع قليلا إلى الخلف؛ وفي هذه اللحظة؛ يشهر مسدسه؛ ثم يعود ليمُر أمامنا؛ وكأنه يستعرضنا؛ ثم يرفع المسدس إلى منتصف جبهة الأول من اليسار؛ طلقة؛ يسقط. يخطو خطوة؛ يتخطاني. طلقة؛ يسقط الثالث. طلقة؛ يسقط الخامس. طلقة؛ يخرس إلى الأبد ذلك الذعر الإنساني الذي بدا واضحاً على السابع. وهكذا؛ يُقتَل أربعة منا بالصدفة؛ وبالإختيار الحُر من العدو؛ وأربعة يبقون على قيد الحياة؛ وأنا منهم؛ بفضل مكان الوقوف؛ لا أكثر. وتتوالى المأساة.
يكرر المقدم فعلته أربع مرات مع آخرين؛ ويكرر كذلك تعبئة مسدسه بالرصاص ثلاث مرات.
يبدو أن الموت هنا يبث الكمائن حول أعمارنا.
بعد معجزة نجاتي هواء غضوب.
أنكمش كفرخ صغير ابتل ريشه.
أخبئ رأسي أمام صدري.
أتمتم بالشكر لله.
تتساقط دموعي رغماً عني؛ لا سعة على خدي.
يصيح المقدم الجليدي الطابع والنزعة؛ وسيم وسامة الدُّمى البلاستيكية؛ وأبيض بياض الشمع؛ والذي له عيون جامدة تشبه عيون الجلادين وممارسي التعذيب في سجون ومعتقلات الأوحد الشديدة الصرامة؛ وما أكثرها الآن في برور المحروسة.
صيحة تشيب رأس الوليد؛ وتبلغ جبل قاف؛ وتجفف لبن الضرع من صدور الأمهات؛ وتعيده إلى نهود العجائز: قتلت عشرين كلب منكُم؛ إذا مُسَّت شعرة من رأسي؛ أو رأس إسرائيلي يخصني؛ سيكون المقابل مائة. إذا حصل أذى؛ أو مات أحد من حراسي؛ أو جنودي؛ فإنني لن أبقي على كلب منكُم حياً.
بسرعة فائقة يخرج المقدم؛ يسحب ورائه رتلاً من الحراس؛ يغلق الباب بعنف؛ يترك من بعده عشرون قتيلاً بعشرين طلقة؛ ومكان دخول الرصاصة واحد لدى جميع الأسرى؛ في الرأس من الخلف!!!!.
****
قصة قصيرة من روايتي (عودة الموتى) الفائزة بمسابقة محمد الحمراني التي ينظمها اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين بميسان عن عام 2013 في دورتها الثانية. وتدور أحداث الرواية خلال حرب عام 1967.
أبصر حراس في حالة هياج؛ لا يكفون عن توجيه السباب والضرب واللعئات للأسرى.
يقبل ضابط صهيوني؛ برتبة مقدم؛ له نظرة هادئة؛ وملامح إبليسية محنطة؛ وعينين رماديتين؛ خزفيتين؛ باردتين.
أستعيذ بالله من شياطين وأبالسة الأرض والسماء؛ وأتحسس جيبي؛ باحثاً عن حجاب الشيخ أبو العزائم؛ فأنتبه؛ وأتذكر مصيره البائس تحت قدم الضابط الصهيوني الكريه؛ صاحب الشعر الخنفسي العصري؛ الذي أوقعني بالأسر.
يتمشى المقدم الإسرائيلي من أول الساحة إلى أخرها؛ بين صفين من جنود الحراسة الواقفين وقفة استعداد عسكرية.
يركبني الفضول. أتمعن في المقدم من مكاني الخلفي؛ وبزاوية عيني؛ أراه شاب في العقد الثالث من عمره؛ مشيته فيها الكثير من التوتر؛ وكذلك كلامه. يتكلم؛ وكأنه يحادث نفسه ببرطمة غير مفهومة؛ له ابتسامة غامضة؛ مربدة؛ ونظرة العينين الموزعة بين الشرود؛ وازدراء متغطرس؛ يقصدك بالوعيد.
يلمحني المقدم؛ وأنا أرفع رأسي قليلاً؛ وأنظر نحوه. فلا يهتم؛ ولكن يصيح بلهجة شامية شديدة الإحتقان: كلاب. مجرمين. سفلة. حيوانات. صراصير. خنازير؛ دعوا ناصر ينفعكم؛ أنتم لا تعرفونني مليح؛ والله لأذبحنكم ذبح الخراف.
إستهلال مرعب.
يقوم المقدم بصفع أول أسير؛ ثم يصفع الخامس؛ وأمام الثامن؛ يتراجع قليلا إلى الخلف؛ وفي هذه اللحظة؛ يشهر مسدسه؛ ثم يعود ليمُر أمامنا؛ وكأنه يستعرضنا؛ ثم يرفع المسدس إلى منتصف جبهة الأول من اليسار؛ طلقة؛ يسقط. يخطو خطوة؛ يتخطاني. طلقة؛ يسقط الثالث. طلقة؛ يسقط الخامس. طلقة؛ يخرس إلى الأبد ذلك الذعر الإنساني الذي بدا واضحاً على السابع. وهكذا؛ يُقتَل أربعة منا بالصدفة؛ وبالإختيار الحُر من العدو؛ وأربعة يبقون على قيد الحياة؛ وأنا منهم؛ بفضل مكان الوقوف؛ لا أكثر. وتتوالى المأساة.
يكرر المقدم فعلته أربع مرات مع آخرين؛ ويكرر كذلك تعبئة مسدسه بالرصاص ثلاث مرات.
يبدو أن الموت هنا يبث الكمائن حول أعمارنا.
بعد معجزة نجاتي هواء غضوب.
أنكمش كفرخ صغير ابتل ريشه.
أخبئ رأسي أمام صدري.
أتمتم بالشكر لله.
تتساقط دموعي رغماً عني؛ لا سعة على خدي.
يصيح المقدم الجليدي الطابع والنزعة؛ وسيم وسامة الدُّمى البلاستيكية؛ وأبيض بياض الشمع؛ والذي له عيون جامدة تشبه عيون الجلادين وممارسي التعذيب في سجون ومعتقلات الأوحد الشديدة الصرامة؛ وما أكثرها الآن في برور المحروسة.
صيحة تشيب رأس الوليد؛ وتبلغ جبل قاف؛ وتجفف لبن الضرع من صدور الأمهات؛ وتعيده إلى نهود العجائز: قتلت عشرين كلب منكُم؛ إذا مُسَّت شعرة من رأسي؛ أو رأس إسرائيلي يخصني؛ سيكون المقابل مائة. إذا حصل أذى؛ أو مات أحد من حراسي؛ أو جنودي؛ فإنني لن أبقي على كلب منكُم حياً.
بسرعة فائقة يخرج المقدم؛ يسحب ورائه رتلاً من الحراس؛ يغلق الباب بعنف؛ يترك من بعده عشرون قتيلاً بعشرين طلقة؛ ومكان دخول الرصاصة واحد لدى جميع الأسرى؛ في الرأس من الخلف!!!!.
****
قصة قصيرة من روايتي (عودة الموتى) الفائزة بمسابقة محمد الحمراني التي ينظمها اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين بميسان عن عام 2013 في دورتها الثانية. وتدور أحداث الرواية خلال حرب عام 1967.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق