اعلان

الاثنين، 16 مارس 2015

هل جفت الأوراق؟----------- لـ/ سامية سليمان


هل جفت الأوراق؟
----------------------
في مقهي ارباب المعاشات .. جلس الأستاذ فاضل في ركن المقهي بعيدا إلي حد ما عن صخب الشارع .. وذلك الصوت الذي يصدر من احتكاك عجلات السيارات بالأسلفت .
سرح بأفكاره وظهر علي وجهه الاكتئاب والإعياء .. بينما يتصاعد دخان سيجارته مع دخان فنجان القهوة الذي أمامه راسما شبحا كما تخيله جاء ليجهز عليه .. فك رباط عنقه .. شرب بعض رشفات من الماء ..
منذ سنوات رحلت عنه زوجته بعد أن تم زواج ابنه الذي سافر ليعمل بالخارج .. وابنته التي صحبها زوجها إلي عمله بالأقصر .. أصبح وحيدا لا يجد من يؤانسه أو يقوم علي خدمته ويهتم بشئونه .. بعد تعب السنين واللهث وراء لقمة العيش .. وبعد ان أحيل إلي المعاش .. واعتلت صحته .. شعر أن موعد انصرافه إلي العالم الآخر قد اقترب .. وليس بجواره أحد من أبنائه الذين لم يتوان لحظة لإسعادهم .. وتوفير مطالبهم .. وحينما يذكره أحدهما يكلمه بالهاتف لمدة دقائق محدودة .
دخل عليه صديقه " أسعد" وهو علي هذه الحال .. فاقترب منه وهو لازال سارحا في همومه ..قائلا : أخيرا وجدتك ياصديقي العزيز ..لماذا تجلس في هذا الركن اليوم ؟ لقد تعودت الجلوس في الهواء الطلق خارج المقهي حيث تنعم بهواء البحر المنعش .
نظر إليه الأستاذ فاضل بتمعن وكأنه يراه لأول مرة.. ولكنه لم ينطق .
دهش أسعد لهذا الصمت ، وسأله : ماذا بك ياصديقي ؟أراك اليوم علي غير ما يرام .. يبدو أنك متخيل إنك صرت عجوزا .. لا يارجل .. أنت في عز شبابك .. إسمع ياصديقي لك عندي خبر سيسعدك كثيرا .. لقد رأيت لك عروسا جميلة .. تؤانسك وتلاعبك وتملأ عليك البيت بهجة ومرحا .. رغم أنها سوف تحرمنا من صحبتك الغالية.
رشف الأستاذ فاضل رشفة من فنجانه بنهم .. وقد عقد مابين حاجبيه .. ثم نظر إلي صديقه نظرة سخرية .. وتنهد تنهيدة ملؤها الألم والحسرة .. وسحب نفسا طويلا من سيجارته .. وهز رأسه إلي أسفل وإلي أعلا قائلا : ياعزيزي .. لقد جفت الأوراق ، وأوشكت علي السقوط .. تري هل يمكن أن تعود إليها الحياة .. بعد أن أصبحت لا تعطي ظلالا .. ولا جمالا .. ولا نقاء .. ربما ينبت غيرها يوما ما .. لكنها أبدا .. لن تعود إليها الحياة .
منذ رحلت زوجتي .. لم يحضر إلي أحد من أبنائي فقد كانت تخدمهم عند حضورهم ليلا ونهارا .. وتقدم لهم كل ما يشتهونه من طعام وحلوي .. وتجعل من أجازتهم عيدا .. ولا تدخر وسعا في إسعادهم .. وتعويضهم عن أيام الغربة ..
لكنني الآن لا أجد من يخرجني من غربتي .. بعد أن جفت الأوراق وكادت تصبح هشيما تذروه الرياح .
رد أسعد وقد تأثر لوضعه : مادامت تلك الأوراق لم تسقط بعد فلنستمتع بما حولها من جمال البراعم الصغيرة .. وزقزقة العصافير .. وضوء الشمس .. وسحر البحر .. ففي الوجود أشياء كثيرة تدعونا للحياة .. فَلِمَ لا نحيا ؟؟؟
هيا ياصديقي ألاعبك دورا من الشطرنج أولا .. ثم اكتب لأولادك .. وادعهم لقضاء أجازتهم معك .. أو قم بزيارتهم فسيسعدون بك .

أم الشعراء
سامية سليمان

ليست هناك تعليقات: